«العودة إلى المستقبل» ! – أخبار السعودية

«العودة إلى المستقبل» ! – أخبار السعودية
عندما وصلتني نسخة هذا الكتاب؛ «العودة إلى المستقبل»، ممهورة بإهداء وقور من الصديق الأستاذ نبيل بن عبدالله الحصيّن، ولمّا كنت أمرُّ بظروف أسرية بالغة الصعوبة جرّاء تفاقم الحالة الصحية لأخي الدكتور أيمن، والذي وافته المنية على إثرها، عليه رحمة الله، لذا لم يتسنِّ لي وقتها أن أُعطي الكتاب ما يستحقه من المطالعة والنظر الممعن، غير أني قلّبته بين يديَّ تقليب المتعجل، وقد بهرني عنوانه، واستوقفتني معمارية غلافه، وحفزتني عناوين الفصول على ضرورة قراءته بمكث وروية، فاستمهلت نفسي ريثما يصفو الخاطر، وتنجلي سحابة الحزن التي خيّمت علينا بفقدنا الفاجع والأليم.

عدت إلى الكتاب في الأسبوع المنصرم، بذات الشعور القديم من التحفيز، والدهشة، والانبهار، والرغبة في كشف ما استكنّ في جوفه من الأفكار والرؤى، فلم يخيب ظنّي، ولم آسف على الوقت الذي أنفقته فيه، فقد كان لي نعم الرفيق في وحشة الحزن الذي غمّني منذ رحيل أخي أيمن، عليه رحمة الله.

وليسمح لي القارئ أن أشاركه رؤيتي في رحلة «العودة إلى المستقبل»، التي عبّد طريقها قلم الصديق «الحصيّن» السيّال؛ فأحسن القراءة، وجوّد الصياغة، وقدّم سفرًا حريًّا بالاهتمام والمدارسة والنظر، كفاء ما تضمنه من موضوعات، عولجت بحرفية عالية، وعقل وقّاد، تجلّى ذكاءً في مرآة الكتاب، من عنوانه، إلى مختزله في الغلاف الخلفي، بصفحات ربت على الثلاثمائة وسبعين صفحة.

أوّل ما لفت نظري المباينة الواضحة في العنوان؛ فـ«العودة» في العقل الجمعي قرينة بالرجوع إلى الخلف، أو الاستذكار، أو الارتحال إلى ماضٍ مادي أو معنوي، وليست بأي حال من الأحوال قائدة إلى «المستقبل»، ولهذا فإن ورودها في معمارية العنوان بهذه الصورة؛ أمر يدعو إلى ارتفاع علامات الاستفهام والاستغراب والدهشة، بما يزيد معدل الفضول في الخاطر ويدفعه إلى الغوص عميقًا في ثنايا الكتاب، ولعل ذكاء المؤلف في نحت هذا العنوان، قاده إلى إدراك حالة القارئ مثلي من الدهشة والارتباك، والاستفهام حول ماهية موضوع الكتاب، فشرع له في بوابة التقديم عنوانًا كاشفًا ومضيئًا لمنعرجاته تحت سؤال: «ما الموضوع؟» ليقدم إضاءات بالغة الأهمية، لكنها لا تشفي الغليل، بل ترفع معدل الرغبة في المضي عميقًا في صفحات الكتاب، وفصوله العشرة.

ولست هنا بصدد تقديم أي ملخصات لما جاء في فصوله، فبظني أن ذلك سيمثل «خيانة» منطوية في سربال الابتسار، وقصر النظر، وتضييق المتسع،

يقيني أن القراءة حالة يحكمها وعي وإدراك الشخص القارئ، وحالته الذهنية والنفسية، ولهذا تتعدد القراءات، وتتباين المخرجات والنتائج، ومن المهم أن يترك الجميع يواجهون تجربة القراءة بوعي شخصي بريء من كل المؤثرات.

على أن ذلك لا يمنعني، ولا يتعارض في طرح ما خرجت به من رحلتي الخاصة مع «العودة إلى المستقبل»، فقد بدا لي أن عامل التوفيق قد رافق هذا السِّفر في عدة جوانب، أولها عنوانه المميز الأخّاذ، وثانيها موضوعه المترافق مع طرح فكرة مشروع مقترح لبرنامج وطني يستهدف غرس وتعزيز القيم والأخلاق والسلوك الحضاري، تفاعلًا مع رؤية المملكة 2030، وثالثها أن المؤلف قادنا في كتابه بكل سلاسة وذكاء إلى مشروعه عبر خيط رفيع ربط به الماضي بالحاضر، مستعرضًا المجتمع في الجزيرة العربية، وما قام عليه من أخلاق ومبادئ، وما تعرّض له من ابتلاءات، شكّلت في مجملها الصورة الماثلة لماهية المجتمع السعودي اليوم، بغير انفصام نِكد، أو انقطاع محيّر، وكأنه نظر إلى الصورة الإجمالية من علٍّ، وتأملها بعين البصير، واستخرج منها مستخلصاته التي اطمأن إليها، وبنى عليها رؤيته، وأشدّ ما أعجبني في ذلك، تأكيده على الثوابت الأخلاقية التي قام عليها العرب حتى في العصر الموصوف تاريخيًا بـ«الجاهلية»، ملقيًا بالضوء على نماذج من مكارم الأخلاق، وسنيّ الصفات وممدوحها، بما ينسف الصورة القاتمة التي تكاد تصوّر العربي قديمًا في مسلاخ الجاهل والغبي والمستقذر شكلًا ومسكنًا ومخبرًا، ولا تكاد ترى صورة إيجابية له، كما درج على ذلك بعض الدراميين في تصوراتهم الشوهاء عن العصور القديمة. والأمر الآخر الذي أخذ مني مخزون الإعجاب، قراءة «الحصيّن» البصيرة للمؤثرات والمحطّات المفصلية التي مرّ بها المجتمع السعودي في سياق تطوره، والتي حصرها في سبع محطات، متمثلة في؛ الطفرة الاقتصادية، والثورة الإيرانية، والحرب العراقية-الإيرانية، والصراع في أفغانستان، واحتلال صدام للكويت، وثورة المعلومات والاتصالات، ناظرًا بعين الخبير في كل محطة من هذه المحطات، وما تركته من أثر، وما أفضت إليه من نتائج، بانيًا عليها تدرجه الواعي والبصير، وصولًا إلى «الرؤية»، بوصفها التخلّق الأجلى والأكثر تأثيرًا، والأعمق وقعًا في المجتمع السعودي الحديث، بما أحدثته من تغيير دراماتيكي قرأ الماضي بوعي، وعايش الحاضر بواقعية، واستشرف المستقبل ببصيرة نافذة، ليأتي مشروعه معضدًا لـ«الرؤية»، ومساهمًا لها بكتابه، ما وسعته المساهمة، وهو في هذا واعٍ كل الوعي بما طرح، بلا ادعاء أجوف أو تواضع مصطنع متكلف، بما قرره في خاتمة كتابه بقوله: «هذا الكتاب ليس محاولة لفرض أيّ شيء وليس أيضًا جلدًا للذات، بل وجهة نظر واجتهاد وأمنية تهدف لمزيد من الارتقاء والريادة لبلدنا، وتنطلق من حرص ووطنية حقيقية تستشعر المسؤوليَّة تجاه وطن ومجتمع، وهو لا يهدف إلا لمزيد من القوّة، حتى نعود إلى المستقبل، الذي تباطأنا في اللحاق به وحان الوقت لاستدراك ما فات وحجز مكاننا المتقدم الذي نستحقه فيه، متسلحين بنموذج حضاري قيمي أخلاقي سلوكي»..

كل الذي أستطيع قوله؛ إن المكتبة العربية عمومًا، والسعودية على وجه الخصوص، قد كسبت كتابًا يستحق أن يقتنى، وأن يقرأ على مكث وروية، وأن يدرس ما جاء فيه، ويكون -كما أراد له مؤلفه- باعثًا على التفكير، ومحرضًا لمزيد من الاجتهاد في المسار الذي تناوله، فشكرًا لصديقنا الأستاذ الحصيّن.