Advertisements
تأثير التعديل التشريعي في تجلي سلطة القاضي التقديرية

تأثير التعديل التشريعي في تجلي سلطة القاضي التقديرية

يسهم التعديل بوصفه من أعمال السلطة التشريعية وبشكل فعال في تطوير النظام القضائي , إذا ما كانت النصوص المعدلة ذات صياغة جيدة من حيث الوضوح والدقة واستيعاب النص المُعدل للوقائع التي يعالجها روح النص وفحواه , ويكون له ذلك وعلى وجه الخصوص متى ماتم تعزيز الدور الإيجابي للقضاء من خلال ما يمنح للقاضي من سلطة تقديرية واسعة لتطبيق النص القانوني سواء كان ذلك النص ذات صياغة جامدة أو مرنة ؛فالقضاء يضطلع بمهمة أساس تتمثل في تحقيق العدالة وإيصال الحقوق لأصحابها من خلال ما ينظره من منازعات أمام المحاكم المختصة , وفق القانون من دون إبطاء أو صدور أحكام متناقضة .



    ونرى أن منح السلطة التقديرية للقاضي من خلال الاستحداث التشريعي لجانب من النصوص القانونية في إطار قانون المرافعات المدنية العراقي النافذ رقم (83)لسنة 1969 المعدل , قائم على أن الدعوى المدنية لا تعدُ أداة لحماية المصلحة الخاصة للخصوم فقط , وانما تعدُ في ذات الوقت أداة لوظيفة عامة هي وظيفة القضاء في تحقيق العدالة وحماية المجتمع , ومن ثم لا يكون سير الدعوى متروكاً لمشيئة الخصوم حصراً , فيكون للقاضي في العديد من الحالات بواسطة سلطته تقديرية, دوراً في تسيرها أو الفصل فيها  من دون إبطاء أو الحكم في موضوعها من دون أن يصدر حكماً آخر مناقضاً لحكمها.

 

 

ومن ثم إعطاء الفعالية لأثر القاعدة القانونية , فتحمى مصالح الأشخاص من خلال ما ينطق به القاضي في الحكم القضائي الصادر بعد تقديره مسألة انطباق أو عدم انطباق حكم القاعدة القانونية على مايعرضه الخصوم من وقائع , إذ عندما يعرض الخصوم ادعاءاتهم بطريقة قانونية على القاضي فأن هذا لا يقوم إلا بنشاط ذهني وتقديري الهدف منه تقدير ادعاءاتهم وينحصر دور القاضي على اختيار الوقائع المنتجة في كل نزاع ولا يتعدى بحثه الاطار الذي رسمه خصوم الدعوى , ويصل القاضي بهذا النشاط إلى تكوين الرأي القضائي بالسلطة التقديرية, التي تستمد من طبيعة إرادته ومن الأهداف التي يرسمها القانون لهذه السلطة , ومن ثم انزال الحكم القانوني الصحيح على الدعوى.

ومن المتوقع إذا ما نظر القاضي الدعوى والتي لا قد تسعها القواعد القائمة في قانون المرافعات أو كانت نصوصه غير واضحة لانطباق حكمها على الوقائع المعروضة ,فسيعد اجتهاد القاضي بمثابة تشريع حقيقي , فهو يجتهد برأيه وفقاً مبادئ العدالة وقواعد القانون الطبيعي ,ويمكن بذلك أن يوجد قواعد جديدة , ولهذا يحبذ أن تكون تلك السلطة داخلة في التنظيم التشريعي لقانون المرافعات المدنية ؛ لتوحد اتجاه القضاء من جهة ومسايرة نصوصه للحالات المستجدة التي يشملها روح النص القانوني من جهة أخرى .

 

 

    فنتوصل مما تقدم ذكره , أن الغاية من منح القضاء السلطة التقديرية , تتمثل بمنحه قدر من الحركة في تطبيق القانون , فلا يتعدى دوره في كونه وسيلة القانون لتحقيق العدالة , فالقوانين تشرع لتلبي حاجات المجتمع واشباع متطلباته , ومن هذه القوانين قانون المرافعات المدنية العراقي النافذ, والذي يعد مرجعاً لكافة القوانين الإجرائية في العراق ,فهذا القانون يضطلع بمهمة تنظيم سلوك الأشخاص في إطار الميدان القضائي ؛ لحماية المراكز الموضوعية للخصوم ومعالجة مصالحهم المتضاربة بما يتخذونه من مراكز إجرائية, لذا يجب أن يكون هذا القانون متفقاً بنصوصه مع مقتضيات العدالة , فيترتب على تطبيق تلك النصوص صدور أحكام قضائية غير متناقضة عاكسة اتجاه القضاء الموحد من أجل المحافظة على الأمن القانوني واستقرار الحقوق .   

 

 

فقصور النصوص القانونية سواء من حيث غموضها أو من حيث عدم استجابة حكمها لمعالجة واقعة معينة ينطبق عليها روح النص , سيكون من متطلبات العدالة الالتفات بالتعديل التشريعي إلى تلك النصوص ومعالجتها في إطار تنظيم قانون المرافعات المدنية, فيكون التعديل ملبياً لحاجة المجتمع , فالقانون هو ما يبنى عليه المجتمع وتقدمه , ومن الضروري جعل العدالة ضابطاً أساس في صياغة نصوصه وتعديلها.

 ومن المصاديق التي نستشهد بها في بيان تأثير التعديل التشريعي في تجلي فعالية السلطة التقديرية للقاضي ومدى انعكاسها الإيجابي المباشر في الميدان القضائي والغير مباشر في المجتمع بما يرجى منحه للقاضي من سلطة تقديرية في تكييف ما يعدُ قوة قاهرة؛ لأهمية ما يترتب على ذلك من التطبيق الصحيح للقانون وما يتجلى به تحقيق العدالة القانونية في المجتمع.  

     فمن خلال النظر لنص كل من المادة (84) والمادة(174) من قانون المرافعات العراقي النافذ, والتي نجد أن كلاً منهما يحصر أسباب قطع سير الدعوى أو قف مدة الطعن في الحكم بحالات محددة على سبيل الحصر , وتتمثل بوفاة أحد الخصوم أو فقدان أهلية الخصومة أو زوال صفة مَن كان يباشر الخصومة نيابة عنه , ولم تكن الدعوى قد تهيأت للحكم في موضوعها, فتتوقف جميع المدة القانونية  التي كانت سارية في حق الخصوم بحكم القانون , وبطلان جميع الإجراءات التي تتخذ أثناء الانقطاع أو الوقف .   

    إلا أن هنالك من الأحوال ما يَعدُ من قبيل القوة القاهرة والتي من شئنها أن توقف سير الدعوى أو توقف مدة الطعن , وبصددها سيكون للقاضي دوراً واسعاً في تكييفها , ولكننا لا نجد للقوة القاهرة تنظيم في نصوص قانون المرافعات المدنية النافذ بالرغم من التنظيم التشريعي لها في القانون المدني والقانون التجاري والقانون الجزائي , وبالمقابل وجدنا أن القضاء المدني العراقي قد تصدى لحالات معينة وعدها من قبيل القوة القاهرة التي يتوقف بها سير الدعوى وبحكم القانون , حيث أخذ وصف جائحة كورونا من قبيل القوة القاهرة التي توقف مدة الطعن بناء على اعمام مجلس القضاء الأعلى الصادر  بالعدد (41) في 6/4/2020  .

 فمثل هذه الجائحة وما يقاس على غيرها وصف القوة القاهرة لا يكون للخصوم شأن في تحققها أو القدرة على دفعها , فالقوة القاهرة بما تتضمنه من حالات يترتب عليها ذات الأثر الذي يتحقق بوفاة أحد الخصوم أو فقدان أهليته أو زوال صفة مَن يُباشر عنه الخصومة , من حيث أنها قد تحدث  قبل اللجوء إلى القضاء أو أثناء التقاضي , وبها قد يعجز الخصم عن القيام بحقوقه وواجباته الإجرائية على النحو التام, من حيث المطالبة بحقه أو رفع الدعوى أو الطعن في حكمها , أو يَعجز الخصم عن تجديد الدعوى بعد الشطب, أو الوقف ,أو موالاة سير في خصومة الدعوىقبل أن يدركها السقوط أو الانقضاء في المواعيد المحددة قانوناً.

 

لذا يرجى تعديل نص المادة (84) والمادة(174) من قانون المرافعات العراقية النافذ , بتضمينهما حكماً يٌنَظم به كل ما يُعد من قبيل القوة القاهرة , فيكون تعديل تلك النصوص أداة فعالة لتحقيق العدالة ومواكباً لما يتطور ويستجد من أحداث .

 

 أيضاً من الأمثلة التي نستشهد بها لبيان تأثير التعديل التشريعي لدور السلطة التقديرية وما ينعكس بهاالدور الإيجابي للقاضي , ما جاء بموجب المادة ( 186/2) من قانون المرافعات المدنية العراقي النافذ , بأنه ((يجوز للمحكمة إلى ما قبل ختام المرافعة ادخال شخص ثالث لم يكن خصما في الحكم المستأنف .)).

فبالرغم من أن مشرعنا العراقي منح قاض محكمة الاستئناف إمكانية إدخال الغير في الدعوى الاستئنافية وما قد يؤدي ذلك إلى تحقيق العدالة في الدعوى الاستئنافية من حيث عدم تناقض الحكم الصادر فيها مع حكماً آخر أو من حيث شموليته لكل موضوع النزاع .

إلا أن جانباً من القضاء العراقي لا يستخدم سلطته التقديرية بإدخال الغير في الدعوى الاستئنافية إلا لغرض الاستيضاح منه , ومن ثم لا يعدُ طرفاً في الدعوى الاستئنافية يسري الحكم في مواجهته ؛ ذلك أن هذا الاتجاهيرى بأن ادخال الغير يكون جائزاً في مرحلة الاستئناف إذا كان لإظهار الحقيقة , في حين يمتنع على قاض الاستئناف ادخال الغير لمصلحة العدالة ؛ احتراماً لمبدأ التقاضي على درجتين ؛ فالقاضي سوف يحرم ذلك الغير أحدى درجات التقاضي , إذا ما تم اختصامه بأمر المحكمة.

    إلا أننا نرى أن صياغة نص المادة ( 186/2) ذو مضمون عام , فيشمل حكمه إمكانية قاضي محكمة الاستئناف بسلطته التقديرية إدخال الغير في الدعوى الاستئنافية لإظهار الحقيقة أو لمصلحة العدالة من حيث أن إدخال قاضي الاستئناف للغير يُمكن به أن يكمل النطاق الشخصي للدعوى من دون أن يتدخل في النطاق الموضوعي لها , لذا نحتاج إلى تدخل المشرع العراقي بالتعديل لتوحيد اتجاه القضاء العراقي , ومن ثم تسليط الضوء على نتائج الاعتراف في الدور الإيجابي لقاض محكمة الاستئناف بما منحه من سلطة تقديرية بإدخال أو عدم إدخال الغير في الدعوى الاستئنافية على وفق تطبيق القانون بنحو عادل .

     إذ يٌمكن أن يُعدل نص المادة (186/2) , بإدخال الغير في الدعوى الاستئنافية لمصلحة العدالة , فتلك الكلمات تخفي سلطات أوسع للقاضي ,وأن اظهار الحقيقة هو نوع من العدالة, ومن ثم يُستلزم توسيع سلطات القاضي , بتمكين قاضي الاستئناف ذلك الإدخال استكمالاً لما اغفل أو تغافل عنه الخصوم طالما أن ذلك يؤدي إلى كشف الحقيقة والفصل فيها بصورة شاملة , وصولاً إلى اعطاء صاحب الحق من الخصوم أو من الغير حقه.  فيتفق النص المعدل مع ما تشير إليه صياغته الحالية في عدم عد المشرع العراقي درجة التقاضي من النظام العام , ومِن ثم تمكين المحكمة بإدخال الغير في الدعوى الاستئنافية ؛ لغرض الفصل في النزاع بصورة شاملة من كافة جوانبه ,فيتلافى ما يتحقق من عدم اختصامهم  من تعدد الدعوى وصدور أحكام متناقضة أو مجافاة لحسن سير العدالة.

 ومن كل ما تقدم , نرىأن للتعديل التشريعي تأثير في تعزيز الدور القاضي الإيجابي من خلال منحه سلطة تقديرية بنصوص واضحة ودقيقة لأعمال تلك السلطة ولا خشية من ذلك طالما أن قرارات القاضي ستكون محل نظر إذا ماتم الطعن فيه من قبل محكمة التمييز بوصفها هيئة عليا لتدقيق الأحكام ومدى مطابقة تلك القرارات لحكم القانون المعمول به من جانب , ومن جانب آخر سيكون لذلك التعديل تأثير في جعل النص القانوني ذات استمرارية دلالية على العلاقات القانونية المرتبطة بالوقائع التي تتضمنها مفاهيمه.  وبذلك سيساهم التعديل التشريعي في تطوير القضاء المدني وجعله وسيله فعالة لتحقيق العدل, الذي يعد الهدف المقصود من تشريع القانون عموماً وقانون المرافعات  المدنية خصوصاً.